الشيخ محمد رشيد رضا

227

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عاما ، وصنف العلماء أعماهم التقليد عن النظر في مصالح الأمة والسير بالقضاء والإدارة والسياسة على ما تجدد لها من هذه المصالح ، وما استهدفت له من الغوائل والمفاسد حتى اقتنع حكامها الجاهلون في أكثر البلاد بان شريعتها لم تعد كافية للاعتماد عليها في ذلك فصاروا يقلدون الإفرنج فيما اشترعوا لأنفسهم من القوانين التي يرونها موافقة لعاداتهم وآدابهم وعقائدهم وتقاليدهم وان لم تكن موافقة المسلمين في شيء من ذلك ، ولم يعقلوا ما في هذا التقليد من المفاسد السياسية والاجتماعية المضعفة للأمة في دينها ودنياها ، بل حسبوا بجهلهم وباغواء الطامعين فيهم لهم أنهم بهذا يتفصون من عقال الشرع وسيطرة رجاله الجامدين فيكون أمر حكومتهم بأيديهم يتصرفون فيها كما يشاءون ويكونون كالدول الأوربية في عزتها وثروتها ، فكانت عاقبة هذا الاغواء أن سلبهم أولئك المغوون ملكهم ، وجعلوهم أسلحة وآلات بأيديهم ، يذلون بهم أممهم وشعوبهم . ويضربون بعضها ببعض فلم يستطيعوا أن يقضوا على استقلال مملكة اسلامية الا بمساعدة فريق من أهلها . أو من الشعوب الاسلامية المتصلة بها . وفاقا لما وعد اللّه تعالى به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما في حديث ثوبان في صحيح مسلم وكتب السنن « واني أعطيتك لامتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ( سلطتهم وملكهم ) ولو اجتمع عليهم من باقطارها . حتى يكون بعضهم يهلك بعضا » ومن اطلع على تاريخ استعمار الأجانب للمالك الاسلامية من أوله إلى هذه الأيام يرى مصداق هذا في غرب تلك البلاد وشرقها وقد اجتهد أولئك الطامعون المغوون بافساد أفكار الشعوب الاسلامية وقلوبها كما اجتهدوا في دس الدسائس لافساد سلاطينها وأمرائها ، لئلا ترجع إلى هداية للآن فتجتمع كلمتها وتصلح حكومتها . فتكون أمما عزيزة يتعذر استعبادها . فبثوا فيها دعاة الدين لتشكيكها في الآن والنبوة واستمالتها إلى دينهم الذي قل من بقي له ثقة به من ساستهم وعلمائهم . ومنهم من يشككها في أصل الدين أي وجود الاله وبعثة الرسل . كما بثوا فيها دعاة السياسة يرغبونها في قطع الرابطة الدينية التي تربط بعضها ببعض واستبدال الرابطة الجنسية أو الوطنية بها . فكان عاقبة ذلك وقوع العداوة والبغضاء بين الترك والفرس ثم بين الترك وبين الألبان والعرب . بل صار أهل الجنس الواحد الذي تضمه رابطة الدين ورابطة اللغة ورابطة العادات وغيرها يتعادى باسم الوطنية فيعد المصري أخاه السورى والحجازي